أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
538
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أن تكون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو للسامع ، فتكون على أصلها من مخاطبة المفرد . والثاني : أن تكون خطابا للجماعة فيكون ذلك ممّا خوطب به الجمع بخطاب المفرد ، ويؤيّده قوله : « لكم » و « لعلكم » ، وهي لغة للعرب ، يخاطبون في اسم الإشارة بالكاف مطلقا ، وبعضهم يستغني عن الميم بضمة الكاف ، قال : 949 - وإنّما الهالك ثمّ التالك * ذو حيرة ضاقت به المسالك « 1 » كيف يكون النّوك إلا ذلك [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 220 ] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) قوله تعالى : فِي الدُّنْيا : فيه خمسة أوجه : أظهرها : أن يتعلّق بيتفكرون على معنى : يتفكرون في أمرهما ، فيأخذون ما هو الأصلح ، ويؤثرون ما هو أبقى نفعا . والثاني : أن يتعلّق ب « يبيّن » ويروى معناه عن الحسن ، وحينئذ يحتمل أن يقدّر مضافا ، أي : في أمر الدنيا والآخرة ، ويحتمل ألّا يقدّر ، لأنّ بيان الآيات وهي العلامات يظهر فيها . وجعل بعضهم قول الحسن من التقديم والتأخير ، ثم قال : « ولا حاجة لذلك ، لحمل الكلام على ظاهره ، يعني من تعلق في الدنيا ب « تتفكرون » . وهذا ليس من التقديم والتأخير في شيء ، لأنّ جملة الترجّي جارية مجرى العلة فهي متعلقة بالفعل معنى ، وتقديم أحد المعمولات على الآخر لا يقال فيه تقديم وتأخير ، ويحتمل أن تكون اعتراضية فلا تقديم ولا تأخير . والثالث : أن تتعلّق بنفس « الآيات » لما فيها من معنى الفعل وهو ظاهر قوله مكي فيما فهمه عنه ابن عطية . قال مكي : « معنى الآية أنه يبيّن للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة يدلّ عليها وعلى منزلتها لعلهم يتفكرون في تلك الآيات » قال ابن عطية : « فقوله : « في الدنيا » يتعلّق على هذا التأويل بالآيات » وما قاله عنه ليس بظاهر ، لأنّ شرحه الآية لا يقتضي تعلّق الجار بالآيات . ثم إن عنى ابن عطية بالتعلّق التعلّق الاصطلاحي ، فقال الشيخ « 2 » : « فهو فاسد ، لأنّ « الآيات » لا تعمل شيئا البتة ، ولا يتعلّق بها ظرف ولا مجرور » وهذا من الشيخ فيه نظر ، فإن الظروف تتعلّق بروائح الأفعال ، ولا شك أن معنى الآيات العلامات الظاهرة فيتعلّق بها الظرف على هذا . وإن عنى التعلق المعنويّ وهو كون الجارّ من تمام معنى « الآيات » فذلك لا يكون إلا إذا جعلنا الجارّ حالا من « الآيات » ولذلك قدّرها مكي نكرة فقال : « يبيّن لهم آيات في الدنيا » ليعلم أنها واقعة موقع الصفة لآيات ، ولا فرق في المعنى بين الصفة والحال فيما نحن بصدده ، فعلى هذا تتعلق بمحذوف لوقوعها صفة . الرابع : أن تكون حالا من « الآيات » كما تقدّم تقريره الآن . الخامس : أن تكون صلة للآيات فتتعلّق بمحذوف أيضا ، وذلك مذهب الكوفيين فإنهم يجعلون من
--> ( 1 ) البيت في الهمع ( 1 / 77 ) ، الدرر ( 1 / 51 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 160 ) .